فخر الدين الرازي
94
تفسير الرازي
مجموع ما قيل في هذه الآية والله أعلم بأسرار المخلوقات . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " : * ( ولا تحسبن ) * الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد وقرئ بالياء ، وفيه وجوه : أحدها : ولا يحسبن رسول الله . والثاني : ولا يحسبن حاسب ، والثالث : ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً قال : وقرئ * ( تحسبن ) * بفتح السين ، وقرأ ابن عامر * ( قتلوا ) * بالتشديد والباقون بالتخفيف . المسألة الرابعة : قوله : * ( بل أحياء ) * قال الواحدي : التقدير : بل هم أحياء ، قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( أحياء ) * بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء . وأقول : إن الزجاج قال : ولو قرىء * ( أحياء ) * بالنصب لجاز على معنى بل أحسبهم أحياء ، وطعن أبو علي الفارسي فيه فقال : لا يجوز ذلك لأنه أمر بالشك والأمر بالشك غير جائز على الله ، ولا يجوز تفسير الحسبان بالعلم لأن ذلك لم يذهب إليه أحد من علماء أهل اللغة ، وللزجاج أن يجيب فيقول : الحسبان ظن لا شك ، فلم قلتم انه لا يجوز أن يأمر الله بالظن ، أليس أن تكليفه في جميع المجتهدات ليس إلا بالظن . وأقول : هذه المناظرة من الزجاج وأبي علي الفارسي تدل على أنه ما قرىء * ( أحياء ) * بالنصب بل الزجاج كان يدعي أن لها وجها في اللغة ، والفارسي نازعه فيه ، وليس كل ما له وجه في الاعراب جازت القراءة به . أما قوله تعالى : * ( عند ربهم ) * ففيه وجوه : أحدها : بحيث لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا إلا الله تعالى . والثاني : هم أحياء عند ربهم ، أي هم أحياء في علمه وحكمه ، كما يقال : هذا عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة بخلافه . والثالث : ان * ( عند ) * معناه القرب والاكرام ، كقوله : * ( ومن عنده لا يستكبرون ) * ( الأنبياء : 19 ) وقوله : * ( الذين عند ربك ) * ( الأعراف : 206 ) . أما قوله : * ( يرزقون * فرحين بما آتاهم الله ) * فاعلم أن المتكلمين قالوا الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله : * ( يرزقون ) * إشارة إلى المنفعة ، وقوله : * ( فرحين ) * إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم ، وأما الحكماء فإنهم قالوا : إذا أشرقت جواهر الأرواح القدسية بالأنوار الإلهية كانت مبتهجة من وجهين : أحدهما : أن تكون ذواتها منيرة مشرقة متلألئة بتلك الجلايا القدسية والمعارف الإلهية . والثاني : بكونها ناظرة إلى ينبوع النور ومصدر الرحمة والجلالة ، قالوا : وابتهاجها بهذا القسم الثاني أتم من ابتهاجها بالأول ، فقوله : * ( يرزقون ) * إشارة إلى الدرجة الأولى وقوله : * ( فرحين ) * إشارة إلى الدرجة الثانية ، ولهذا قال : * ( فرحين بما آتاهم الله من فضله ) * يعني ان فرحهم ليس بالرزق ، بل بايتاء الرزق لأن المشغول بالرزق مشغول بنفسه ، والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق ، ومن